... وفي اليوم الثالث على سقوط مشروع خفض سن الاقتراع في لبنان من 21 عاماً الى 18 في البرلمان، عادت الأنظار لتتركز على استحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية و«حظوظ» إجرائها أو احتمالات تأجيلها، بعدما بدا واضحاً ان «جلسة الـ 18» التي عقدها مجلس النواب الاثنين، لم ترتب متغيرات جديدة فعلية على صعيد اعادة رسم التحالفات رغم ما شهدته من «خلط اوراق» في هذه التحالفات تَمثل ابرزها في التقاء كل الكتل المسيحية النيابية وكتلة رئيس الحكومة سعد الحريري («المستقبل») على الامتناع عن التصويت على تعديل المادة 21 من الدستور في هذا «التوقيت السيئ».
وشجّعت وقائع الجلسة النيابية والتي «جُمّد» فيها مشروع خفض سن الاقتراع بانتظار إقرار آلية اقتراع المغتربين وإقرار قانون استعادة الجنسية لمن يستحقها من لبنانيي الانتشار، اصحاب التوقعات القائلة ان الانتخابات البلدية لن تجرى في موعدها في يونيو المقبل وسـ «تطير»، ليس من منطلق الربط بين الموضوعين وانما من زاوية وجود مناخ سياسي بات يسمح بتوقُّع تأجيل استحقاق كهذا من دون احراج كبير للسلطة والحكومة والقوى السياسية.
وفي هذا الإطار، قالت اوساط واسعة الاطلاع لـ «الراي» ان «عدّة الشغل» للتأجيل حاضرة خلافاً للانطباعات التي تتحدث عن فقدان الذرائع المحتملة للتأجيل الذي يفترض ان يتم دستورياً تحت عنوان «الظروف القاهرة». وهي ذرائع تبدأ باقرار مجلس الوزراء لمجموعة بنود اصلاحية في قانون الانتخابات البلدية والاختيارية وتنتهي ربما بمناخ التهديدات الاسرائيلية والاستحقاقات الاقليمية الاوسع والتي تشكل زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد لسورية اليوم، أحد محطاتها البارزة، وسط تردُّد دويّ التصريحات «المثيرة» لرئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني في بيروت التي تلقّفت باهتمام بالغ كلامه عن خطورة الأوضاع في المنطقة، خصوصاً لبنان، وإعلانه أن ما يجرى يصب «في خانة قرع طبول الحرب والتحضيرات لها».
واذا كان الاهتمام اللبناني بزيارة نجاد لدمشق، ينطلق من انه لن تغيب عنها التهديدات الاسرائيلية للبنان او سورية وايران، فان البُعد الآخر لهذه الزيارة يتمثل في «اللقاءات اللبنانية» التي سيعقدها الرئيس الايراني، في ضوء بعض المعلومات ان هذه اللقاءات ستشمل رئيس مجلس النواب نبيه بري، ووفداً من قيادة «حزب الله» لم يُعرف اذا كان برئاسة الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله ام لا، علماً ان مصادر «عين التينة» (حيث مقر بري) نفت ان يكون الأخير ينوي زيارة دمشق الخميس او الجمعة.
وانطلاقاً من هذا المشهد، سيكون حتمياً ان يتركز الرصد السياسي اللبناني في الايام المقبلة وما يعقبها على مواقف لافتة من مثل تلك التي اعلنها «حزب الله» بعد زعيم «التيار الوطني الحرّ» النائب العماد ميشال عون، والتي تشدّد على اعتبار العملية الاصلاحية اهم من موعد الانتخابات البلدية مما يوحي ان ثمة رغبة واضحة في تأجيل الانتخابات قد تغلب على الرغبة لدى آخرين في إجرائها.
وتضيف الاوساط واسعة الإطلاع، ان الجلسة الاستثنائية التي سيعقدها مجلس الوزراء بعد غد، لاقرار مشروع التعديلات المقترحة على قانون الانتخابات ومن ابرزها اعتماد النسبية، لن تكون مؤشراً حاسماً الى إجراء الانتخابات حتى لو اقرت مشروع التعديلات وارسلته الى مجلس النواب لدرسه واقراره. فالمحك الفعلي سيبدأ على أثر هذه الجلسة خصوصاً عبر «رحلة» مشروع التعديلات في مجلس النواب حصراً. وهو أمر يعرفه الجميع ويتصرفون بوحيه من منطلق ادراكهم ان التأجيل سيحتاج الى تفاهم واسع تماماً كما يحتاج اجراء الانتخابات الى تفاهم مماثل.
ولا تخفي هذه الاوساط ان معظم القوى السياسية ترغب ضمناً في تأجيل الانتخابات ولو صدرت مواقف معاكسة لهذه الرغبات. وهو أمر قد يسهل لاحقاً «التواطؤ» السياسي والرسمي على تأجيل الانتخابات متى اصبح الأمر يحتاج الى بتّ نهائي في ضوء اقتراب المهل القانونية من نهايتها.
اما احتمال اجراء الانتخابات في موعدها. فهو لم يسقط تماماً. بعد في رأي الاوساط نفسها، ذلك ان هذا الاحتمال لا يزال يحظى بنسبة ضئيلة، وقد تتبلور فرصة اجراء الانتخابات في الاسبوعين المقبلين على ابعد تقدير، علماً انه في حال اجرائها يرجح ان يحصل ذلك على اساس القانون القديم للانتخابات وليس مع الاصلاحات المطروحة، لان هناك استبعاداً لامكان اقرار الاصلاحات ضمن المهلة المتبقية لنشر لوائح الشطب الشهر المقبل والتي تعتبر ايذاناً ببدء الاستحقاق عملياً.
وقبل ثلاثة ايام من موعد «الجلسة البلدية» التي سيقدّم فيها وزير الداخلية والبلديات زياد بارود المسودة الثانية لمشروع قانون الاصلاحات المتعلقة بالانتخابات البلدية والاختيارية، والتي ستتخللها قراءة اخيرة للتعديلات في صياغتها النهائية، لا سيما في ما خص النسبية، والاوراق المطبوعة سلفا، والكوتا النسائية بنسبة 20 في المئة، مع اضافة بند يتعلق بدور هيئة الاشراف على الانتخابات، برزت مجموعة مواقف بدت «تراجُعية» في ما خص الموقف من «النسبية» التي كان أقر مجلس الوزراء مبدأها الاسبوع الماضي، تحت عنوان السؤال عن وقع تطبيق مبدأ النسبية التفتيتي على المدن والبلدات والقرى.
وفي هذا الإطار، لفت اعلان رئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط في تصريح صحافي «ان النسبية قد لا تكون واقعية على مستوى الانتخابات البلدية»، داعياً الرئيس ميشال سليمان والوزير بارود الى «ان يأخذا في الاعتبار اننا لسنا في نظام أحزاب، وان هناك أعرافاً عائلية ونزعة عشائرية تطغى على ما عداها في البلدات والقرى»، متسائلاً عما إذا كانت هناك إمكانية للجمع بين تلك الاعراف والنسبية، موضحاً ان نواب «اللقاء الديموقراطي» سيثيرون هذه الإشكالية عند المباشرة في مناقشة مشروع قانون الانتخابات البلدية في مجلس النواب.
وفي السياق نفسه تحدثت اوساط بري عن ايجابية حركة «امل» في التعامل مع فكرة النسبية «لكن ذلك لا يلغي ان هناك خيارات كثيرة بخصوص الآلية الافضل لترجمتها»، مشدداً على «ان النقاش حول الآلية التطبيقية ليس شكلياً ولا ثانوياً، والاتفاق عليها ما زال يتطلب بعض الجهد».
اما «حزب الله»، فاعتبر على لسان نائبه حسن فضل الله ان «اعتماد قاعدة النسبية في الانتخابات البلدية يحتاج الى نقاش عملي ودقيق»، مشيراً الى «ان تطبيق هذه القاعدة في الدوائر الصغرى قد يكون صعباً، بالنظر الى التركيبة الخاصة والمرهفة لتلك الدوائر».
وعلى خط آخر، وغداة المواقف التي أطلقها وعكست أن زيارته لدمشق لن تحصل قبل 16 مارس المقبل لاعتبارات تتصل بشروط سورية «إضافية» لم يفصح عنها، انتقل جنبلاط الى تركيا حيث التقى رئيسها عبدالله غول ورئيس وزرائها رجب طيب اردوغان وبحث معهما العلاقات بين لبنان وتركيا.
ونفى مفوض الإعلام في «الحزب التقدمي الاشتراكي» رامي الريّس، اي علاقة بين زيارة جنبلاط لأنقرة ومحطته المرتقبة في سورية، معلناً « من غير الطبيعي ان نذهب الى تركيا لنطلب وساطة لزيارة دمشق، وعندما يصبح موضوع الزيارة لدمشق أكثر وضوحاً يعلن عنه بشكل رسمي».
من ناحيته، بدأ سليمان امس، زيارة رسمية لموسكو يلتقي خلالها نظيره الروسي ديمتري مدفيديف وكبار المسؤولين ويبحث معهم في سبل تطوير العلاقات الثنائية وتفعيل التعاون العسكري.
وفي المواقف، اكد رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» سمير جعجع ان «اي محاولة لتأجيل الانتخابات البلدية تهدف الى اضعاف النظام في لبنان نظرا الى أهمية هذه الانتخابات ولدور البلديات في تسيير مهمات المواطنين على المستويات المحلية كافة وتأمين أمورهم الحياتية والمعيشية»، مشددا على وجوب «اجراء الانتخابات في تاريخها المحدد نظرا لضرورة الالتزام بالمواعيد الدستورية كي لا نفقد الثقة بالنظام والدستور فيصبح حينها حبراً على ورق»، مؤكداً «سنستعمل حقنا الدستوري بالطعن في اي محاولة من مجلس النواب لتأجيل الاستحقاق البلدي».
كما اعتبر عضو الامانة العامة لقوى «14 مارس» مصطفى علوش، انه «لا يمكن ربط اجراء الانتخابات البلدية بمسألة التعديلات المقترحة على قانون البلديات»، مشيراً الى ان «الاهم من اجراء التعديلات على قانون الانتخاب هو احترام مواقيت الانتخابات».
مصالحة بين «فتح» و«عصبة الأنصار»
بعد 8 أيام على الاشتباكات التي وقعت في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في صيدا بين حركة «فتح» وتنظيميْ «عصبة الانصار» و«جند الشام» الإسلامييْن والتي أدّت الى مقتل امرأة وجرْح آخرين، نجحت الاتصالات والوساطات التي قادها «مجلس علماء فلسطين في لبنان» في تحقيق مصالحة بين الحركة و«العصبة» التي سلّمت مطلق النار في المخيم يوم 15 فبراير الجاري المدعو عبد فضة إلى «لجنة المتابعة الفلسطينية».
وعلى وقع تقارير عدة في بيروت عن مخاوف من «انفجار» في مخيمات لبنان لأسباب «اقليمية»، توصلت الجهود الى «تبريد» العلاقة بين «فتح» و«عصبة الانصار» و«إحياء» الهدنة التي كانت استمرت نحو عشرة اشهر، فالتقى القيادي الفتحاوي محمود عبد الحميد عيسى الملقب بـ «اللينو» وقائد قوات «فتح» في لبنان العميد صبحي ابو عرب مع مسؤول عصبة «الانصار» في «عين الحلوة» ابو طارق السعدي والناطق الاعلامي ابو شريف عقل.
ونجح الشيخ جمال خطاب و«علماء فلسطين» و«لجنة المتابعة الفلسطيينية» في إقناع «اللينو» وأبو عرب بالتوجه الى نقر «عصبة الانصار» في المخيم حيث عقدوا اجتماعا مع السعدي وعقل وتمت المصالحة بحضور الجميع. وبعد ذلك قام السعدي وعقل برد الزيارة في مقر «اللينو» في المخيم بحضور اعضاء اللجنة، وبعد ذلك قام الجميع بجولة في المخيم.
واوضح العميد أبو عرب أنَّ «الاتصالات التي قام بها مجلس علماء فلسطين في لبنان برئاسة الشيخ محمد موعد نجحت بتسليم «عصبة الأنصار» مطلق النار في مخيم عين الحلوة إلى لجنة المتابعة الفلسطينية، التي تضم جميع الفصائل الوطنية والإسلامية، على أن تبدأ بمحاسبته بدءا من اليوم (امس)، لتحديد دوافع وظروف إطلاق النار وأسباب الإشكال، الذي وقع في 15 فبراير الجاري».
ولفت إلى أنَّه تمَّ الاتفاق بين «فتح» وعصبة الانصار «على إزالة الاحتقان العسكري والسياسي وإزالة الاستنفار العسكري وسحب المسلحين من الشوارع ووقف الحملات الإعلامية بين الطرفين والاحتكام إلى لجنة المتابعة في المخيم في أي أمر قبل اللجوء إلى السلاح وحفظ الأمن والاستقرار في عين الحلوة وعدم تهديد أمن الجوار اللبناني وتوجيه البنادق نحو العدو الإسرائيلي فقط».