جدران المدارس «شخبط شخابيط» بسبب غياب الأنشطة
بيئة مدرسية «جافة» .. «والنتيجة» طلاب مخربون

جدران المدارس لوحات مشوهة
علي التركي
تخريب أثاث ومقاعد وفوضى وسلوكات سلبية ابرزها الشخابيط.. والكتابات التي تعبر عن التمرد على الواقع، والعبارات غير الاخلاقية احيانا، واحيانا اخرى تسجيل للذكريات والامنيات والاحلام.. لكنها في النهاية تصرفات غير حضارية وتشوية لجدران المدارس.
انها الشخابيط والرسومات والكتابات التي يكتبها ويرسمها طلاب المدارس والتي اضحت تنتشر بصورة لافتة على كثير من حوائط المؤسسات التربوية في مختلف المحافظات فضلا عن الكبت الطلابي الذي يترجم الى تكسير لأثاث المدرسة.
والسؤال الذي يطرح نفسه ما الذي يدفع طالب العلم الى الشخبطة وتشويه جدران المدارس التي يتعلم فيها؟ هل هي أزمة وعي وتحضر ام أنه عبث مقصود؟.. ام أنه تمرد ووسيلة للتعبير عن تحدي الطلاب للواقع.
حين توصد الأبواب، وما يضطرم في النفوس من مشار تترجم الى عبارات رفض على المرافق فتتلاشى آمال المراهقين وأمانيهم وتبقى ذكرياتهم وحدها على الجدار حبرا شوهته السنين ورسما أطفأ جذوته الزمن.
الكتابة على الجدران ظاهرة قديمة لم تقتصر على فئة معينة من الطلبة أو مجتمع بعينه من المجتمعات، بل كانت منذ الأزل الطريق الأقصر للوصول والوسيلة الأجدى نفعا في إعلان التمرد والتعبير عن السخط تجاه الواقع بشتى صوره وأشكاله، وقد وصفها كثير من الباحثين النفسيين بـالرصاصة الاخيرة في جيب الثائر حين يرفض الواقع ويصبو الى التغيير.
وإذ أفرزت هذه الظاهرة ظواهر اخرى أكثر سلبا في المجتمع الكويتي تفاقمت بشكل خاص في أروقة المدارس وأسوارها الخارجية من خلال توجه الطلبة الى اتلاف الممتلكات العامة وتشويه المرافق الحيوية والضرورية في البلاد والكتابة على أسوار المدارس وجدرانها التي ضاق بها الفضاء جراء تكرار طليها، تتجه وزارة التربية اليوم الى وأد هذه المظاهر واستهداف أسباب تفاقمها من خلال تنظيم حملة توعوية شاملة تبحث كيفية الحد من هذا العبث الذي يشوه البيئة المدرسية.
«القبس» تسلط الضوء في هذا التحقيق على أسباب الظاهرة وكيفية التعامل مع الشخابيط على جدران المدارس وتكسير الأثاث، علما انه قد أجمع التربويون على أن اختفاء الانشطة والبيئة المدرسية الجافة هما السبب في ذلك.
بداية، أكد وكيل وزارة التربية المساعد للتنمية التربوية بدر الفريح انه لتشخيص مشكلة اتلاف الممتلكات العامة وتعقبها، سواء في المجتمع المدرسي أو في المرافق الحكومية والأهلية، فلا بد من التركيز على 4 عوامل رئيسية أولها النواحي النفسية والاستوائية التي قادت الطالب الى نهج هذا السلوك وتشويه جدران المدرسة ببعض العبارات، مستشهدا باحدى الدراسات التي أجريت حول هذا الشأن، والتي أشارت الى تأثير اسلوب التنشئة الاجتماعية عند الطفل على سلوكه وتصرفاته من خلال اعلانه الرفض والتحدي عبر «الحائط» في حال القسوة عليه اثناء التربية، فيما تكون العبارات ذات نهج غربي في حال تدليل الطفل ورعايته بإسراف وترف.
ما السبب؟
وأوضح الفريح لــ «القبس» ان البند الثاني في قائمة العلاج هو تحديد المناطق السكنية ذات الارتفاع الأكبر في هذه السلوك والتي تنتشر الظاهرة في مؤسساتها الخدمية، سواء في المراكز الصحية أو في الجمعيات التعاونية ومظلات السيارات والمنازل، لافتا الى تباين مضمون العبارات المكتوبة بين الشعر والعاطفة والاعتزاز بالقبيلة او الطائفة، فيما تكون هناك بعض العبارات الخاصة بتوجه كاتبها، سواء أكان رياضيا أم غير ذلك من خلال الاشادة ببعض الأندية الرياضية، مشيرا في الوقت نفسه الى البند الثالث الذي يجب من خلاله تحليل مضمون العبارات التي تختلف من منطقة سكنية الى اخرى واتباع الطرق المناسبة للعلاج بما يتوافق وطبيعة سكان هذه المناطق.
نبذ العنف
وركز الفريح على ضرورة توعية الهيئة التدريسية بضرورة اللجوء الى الاساليب التربوية في التعامل مع الطلبة ونبذ العنف والانفعال وتجنب اللوم الحاد والتأنيب واشراك مكاتب الخدمة الاجتماعية والنفسية في حل هذه المشكلات، اضافة الى اشاعة الأجواء الديموقراطية في المدرسة واشراك الطالب في عملية طلاء الأسوار من منطلق محافظة الطلاب على المكان الذي يتعلمون فيه.
بدورها، شددت مديرة منطقة حولي التعليمية منى الصلال على الدور الكبير للمدرسة في اجراء التوعية للصيانة الشخصية اللازمة للطلبة الذين يسلكون هذا النهج وتعديل اتجاهاتهم واعادة التوازن النفسي اليهم من خلال توفير الاجواء المدرسية الاجتماعية التي تؤدي الى صناعة طلبة منتجين يستفيدون من البرامج والانشطة التي تقدم لهم.
ووصفت الصلال قضية اتلاف الممتلكات العامة داخل المجتمع المدرسي بالقضية المهمة التي يجب الاشارة اليها والتعامل معها، اذ انها اصبحت تؤرق العاملين في الميدان التربوي وتأخذ من الادارات المدرسية الوقت الكثير، داعية الى اعداد دراسة واعية ودقيقة يتم من خلالها الاطلاع على كل الظروف البيئية المحيطة بالطلبة والتعامل معهم وفق هذا الأساس.
وقال مدير ادارة الانشطة التربوية في منطقة حولي التعليمية سالم الراشد ان ظاهرة اتلاف الممتلكات العامة من الظواهر التي انتشرت اخيرا في اوساط الشباب ويمكن معالجتها من خلال تنويع الانشطة الاجتماعية داخل المجتمع المدرسي مع توسعة دائرة الحوار مع الابناء حول الانتماء الوطني وما يتطلبه من واجبات نحو الوطن.
تضمين المناهج
وبحسب مراقبة الخدمات الاجتماعية والنفسية كريمة سليم فان الخدمة النفسية والاجتماعية تساعد المدرسة على اداء أدوارها المختلفة وتمكينها من زيادة الانتاج والاسهام في التنمية وتنشئة الطلبة، داعية الى غرس القيم والسلوكيات الفاضلة ونبذ السلوكيات السلبية غير السوية.
وشددت على ضرورة التخطيط الجيد لاستثمار طاقات الطلبة وخلق المواطنة الصالحة لديهم من خلال توفير فرص المشاركة والتفاعل بين اطراف العملية التربوية للقيام بدورها والاستفادة من بعض المناهج الدراسية في توضيح اهمية المحافظة على الممتلكات العامة وغرس السلوك الحضاري في نفوس الابناء واستغلال طاقاتهم في انشطة دراسية مفيدة.
كاميرات المراقبة
كشف وكيل وزارة التربية المساعد للتنمية التربوية بدر الفريج عن بعض الخطط العلاجية في التعامل مع تلك الظواهر السلبية ومنها تضمين المناهج الدراسية دروسا توعوية، والدعوة الى تجنبها وتوخي العدالة بين الطلبة وعدم التفرقة بين جنس وآخر، واعداد الدورات التدريبية للمعلمين حول طرق التعامل المثلى مع تلك الحالات، اضافة الى التركيز على الوازع الديني ونشر التوعية عبر الإذاعة المدرسية، مبينا ان من اهم الاجراءات التي ستحد من هذه الظواهر في المستقبل هو تركيب كاميرات المراقبة على الأسوار الخارجية للمدرسة.
أسباب إتلاف الممتلكات
1- الشعور بالإحباط.
2- افتقاد الشعور بالانتماء للمجتمع المدرسي.
3- التعثر الدراسي.
4- عدم القدرة على التعبير اللفظي.
5- المعاملة القاسية من قبل الوالدين.
6- التدليل الزائد من قبل الوالدين.
7- الخلافات الأسرية.
8- ضعف بعض الادارات المدرسية في تطبيق اللوائح.
9- الاسراف في العقاب أو التهجم اللفظي.
إبداع أم تشويه؟
تقيم مراقبة الخدمات الاجتماعية والنفسسية في منطقة حولي التعليمية الملتقى التربوي التاسع للتنظيمات المدرسية والمجتمعية حول اتلاف الممتلكات العامة تحت شعار ابداع قلم أم تشويه وطن، برعاية وزيرة التربية ووزيرة التعليم العالي د. موضي الحمود في الفترة من 5 الى 8 ابريل الجاري.
ويتضمن الملتقى بعض الانشطة المتنوعة للطلبة والباحثين الاجتماعيين والنفسيين ومكاتب الخدمة في المدارس ورياض الاطفال وقيادات المجالس الطلابية والادارات المدرسية، وسيتم اجراء دراسة ميدانية حول الموضوع الرئيسي للملتقى وعرض مسرحي للطلاب يتناول محور كتابة على الجدران من واقع المجتمع واقامة 4 ورش عمل للباحثين بمشاركة بعض الاكاديميين وأهل الاختصاص.
رسومات البنات
أكدت رئيسة قسم الحاسوب في ثانوية بيبي السالم بنات فاطمة كاظم ان الرسومات والعبارات التي تشوه واجهات المدارس وأسوارها الخارجية لا تقتصر على مدارس البنين فقط، اذ ان كثيرا من مدارس البنات اصبحت اليوم عرضة لهذا العبث الذي طال حتى مرافق المدرسة من الداخل. وذكرت ان في عام 2007 قام قطاع المنشآت بطلاء جدران المدرسة واجراء الصيانة اللازمة لها، الا انه سرعان ما عادت تلك المظاهر بفعل بعض الطالبات اللاتي انتهجن سلوك الأولاد في هذا الجانب.
مظاهر إتلاف الممتلكات المدرسية
• الكتابة والرسم على جدران الفصول - سور المدرسة - دورات المياه - الطاولات.
• اتلاف الكراسي والطاولات والأدوات المدرسية.
• كسر أبواب الفصول وزجاج النوافذ.
• إتلاف الأدوات الكهربائية (أجهزة - مصابيح - مفاتيح الكهرباء).
• الحرق المتعمد لأحد مرافق المدرسة.
الطلاب: الجو المدرسي ممل ولا نمارس هواياتنا
أكدت مجموعة من الطلاب ان الجو المدرسي غير الجاذب يصيبهم بالملل ويدفعهم الى ارتكاب بعض السلوكيات غير المتحضرة كالرسوم على الجدران وغيرها، مشيرين الى انهم مثقلون بالحصص والدروس العلمية ولا مجال للترفيه وممارسة الهوايات، وفي محاولة لرصد الاسباب التي تدفع الطلبة الى تشويه البيئة المدرسية والكتابة على الجدران حتى في ظل وجود الآيات القرآنية اعترف طالب الصف الثاني عشر في مدرسة الأهلية الخاصة احمد العنزي بكتابة بعض الذكريات عندما كان في المرحلة المتوسطة، وقال «لا أعلم سبباً لما فعلت ولكن كانت رغبة في داخلي افرغتها على الحائط».
كما أقر بان هذا الفعل مناف للسلوك القويم ولكن وفق ما ذكر ان الطالب يزداد تدريجيا بالنضج ولا يدرك حجم اخطائه الا في السنوات الاخيرة للدراسة.
وشاطره الرأي زميله في الصف الحادي عشر عبدالمحسن محمد الذي اكد ان السبب المباشر للكتابة على جدران المدارس هو الذكرى وتفاخر الطلبة واعتزازهم بقبائلهم خصوصا في المرحلة الثانوية التي عادة ما تشهد بعض المشاجرات والصراعات بين الطلبة حول هذه الامور، مؤكدا ان غياب الانشطة الجاذبة هو السبب، فلا قاعات للموسيقى ولا مراكز.
وذكر انه رغم جميع ما سبق فانه يرفض الكتابة على الآيات القرآنية ويصف من ينتهج هذا السلوك بالجاهل الذي لا يعي هذا الخطأ وفداحته، مشددا على ضرورة احترام قدسية القرآن وتنزيهه عن اي رغبات ذاتية.
واستنكر طالب الصف الثامن مساعد العنزي هذا السلوك عند بعض الطلبة وقال «ليس جدار المدرسة وحده المستهدف ولكن جميع المرافق المدرسية في الداخل أصبحت عرضة لعبث الطلبة المشاغبين خصوصا بعد ظهور النتائج ورسوب البعض منهم».
وتطرق الى معانات الادارات المدرسية في التعامل مع تلك الظواهر ومعاقبة الطلبة، معرباً عن اسفه في ان العقاب دائما ما يكون جماعيا ويشمل من ليس لهم ناقة ولا جمل في هذه الاحداث.
وحول عدم الاعتراف للمعلمين على اولئك الذين يساهمون في تشويه المدرسة قال «ما يمنعنا هو الاحراج وكرهنا للوشاية بزملائنا خصوصاً ان من يفعل ذلك يصبح منبوذا في الفصل حتى من الطلبة المتفوقين وينظر اليه بنظرة قاصرة ومتدنية».

رسومات وطلاسم طلابية
نقلا عن جريدة القبس